ابن المقفع

73

آثار ابن المقفع

يكون لدنياه مؤثرا « 1 » على آخرته ، فإن من لم يعلق قلبه بالغايات قلت حسرته عند مفارقتها . وقد يقال في أمرين : إنهما يجملان « 2 » بكل أحد ، أحدهما النسك والآخر المال الحلال . وقد يقال في أمرين أنهما لا يجملان بأحد : الملك أن يشارك في ملكه ، والرجل أن يشارك في خاصته « 3 » وليس ينبغي للعاقل أن يقنط وييأس من رحمة الله وفضله فيما لا يناله ، فربما ساق القدر له رزقا هنيئا وهو غافل عنه لا يدري به ولا يعلم وجهه . مثل الفقير واللص ومن أمثال هذا : أن رجلا كان به فاقة وجوع وعري فألجأه ذلك إلى أن سأل بعض أقاربه وأصدقائه فلم يكن عند أحد منهم فضل « 4 » يعود به عليه . فبينما هو ذات ليلة في منزله إذ بصر بسارق « 5 » في المنزل ، فقال في نفسه . والله ما في منزلي شيء أخاف عليه ، فليجهد السارق جهده . فبينما السارق يجول إذ وقعت يده على خابية فيها حنطة ، فقال السارق : والله ما أحب ان يكون عنائي الليلة باطلا ، ولعلي لا أصل إلى موضع آخر ، ولكن سأحمل هذه الحنطة خير من الرجوع بغير شيء . ثم بسط رداءه ليصب عليه الحنطة . فقال الرجل : يذهب هذا بالحنطة وليس ورائي سواها ، فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات به ، وما تجتمع والله هاتان الخلتان « 6 » على أحد إلا أهلكتاه . ثم صاح بالسارق ووثب إليه بهراوة « 7 » كانت عند رأسه ، فلم

--> ( 1 ) مؤثرا : مفضلا ( 2 ) يجملان : يحسنان ( 3 ) خاصته : ما يختص به . ( 4 ) فضل : زيادة عن عوزه ( 5 ) بصر : لمح ( 6 ) الخلة : الصفة ، هنا في الفقر والحاجة . ( 7 ) هراوة : عصا ضخمة .